الله خالقنا وهو الأعلم بنفوسنا... والنفس البشرية في احتياج دائم إلى التقريب والتمثيل والتشبيه حتى تصل الفكرة وتتم المنفعة. لذلك، ساق الله لنا أمثالاً في القرآن كي يتيسر لنا الفهم والاعتبار، ومن ذلك وصفه سبحانه الكلمةَ الطيبةَ بالشجرة الطيبة... فنتسائل: ما وصف الشجرة الطيبة؟ فتأتي الإجابة: دائمةُ العطاء بالثمر الطيب، وأن الإنسان إذا قَبِلَها كان طيبًا، دائمَ النفع والعطاء للإنسانية كلها، ففي سورة الخليل إبراهيم يقول تعالى: ألَمْ تَرَ كيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثلًا كلمةً طيبةً كشجرَةٍ طَيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفَرعُها في السَّماء (٢٤) تُؤتِي أُكـُـلـَـها كُلَّ حِينٍ بإذنِ ربِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)

اجتهد المفسرون في استجلاء معنى "الكلمة الطيبة"؛ فقالوا هي الشهادة لله بالوحدانية: "لا إله إلا الله" – لأنها تدعو الإنسانية لتوحيد العبادة وإخلاصها لله وحده لا شريك له.

كذلك نرى في السنة المطهرة مثالًا توضيحيًا لقيمة الكلمة الطيبة يقول فيه رسول الله (ﷺ): "إنَّ مَثَلَ ما آتاني اللهُ مِن الهدى والعِلْمِ كمثَلِ غيثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طائفةٌ طيِّبةٌ قبِلت ذلك، فأنبتَتِ الكلأَ والعُشبَ الكثير، وأمسَكتِ الماءَ فنفَع اللهُ بها النَّاسَ فشَرِبوا مِنها وسَقوا وزرَعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى، إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كلأً؛ فذلك مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللهِ ونفَعه ما بعَثني اللهُ به فَعَلِمَ وعَمِل، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرفَعْ بذلك رأسًا ولَم يَقبَلْ هُدَى اللهِ الَّذي أُرسِلْتُ به" (رواه ابن حِبَّان في صحيحه).

فكلمة السماء التي امتلأ بها الإنسانُ حقًّا ونعمة، صار لها سلطان على العقول والقلوب والنفوس، يَهديها ويزكِّيها ويُحييها، لأنها هي الطريق والحقُّ والحياة الحقيقية.

والكلمة أمانة مقدسة تحملها القلوب السماوية... التي تحلق بعيدًا عن معاني الشر، وتعرف مأواها جيدًا في السماء.

فالكلمة تغرس جِذرَ الخيرِ بقلب البارّ.

والكلمة سلطانٌ يَدفع شرَّ قلوب الفجار.

الكلمة تُصلِحُ بين اثنينِ أو جيشين، والتاجر يعرفها يُمضي عقدًا وبها يَضَع الدَّين.

الكلمة يَعرف قيمتَها تلميذٌ يُزيل إذا فَهِم المعنى عن عقلٍ صَدأ الرَّين.

والكلمة يَعرفها حتى الطفلُ تُهَدْهِدُه الأم بها لِينامَ قَرِيرَ العين.

والكلمة إنسان... فبها يَحيَى، ولها يَفدي الإيمان.

وهي الدافع والهمة للجنديّ، وهي قوانين الدولة وثباتُ الكرسيّ.

وما أعمال الخير والبِرِّ كلها إلا أثر للكلمة، ونـَفْثـَة رُوحٍ قدسية، يفهم بها الناس -كلَّ الناس- طريقَ الهدى فيتبعوه، وطريق الضلال فيجتنبوه.

من أجل هذ كله قامت هذه المنصة منبثقةً من مركز الأزهر العالمي للرصد ومكافحة التطرف، ليجد الإنسان فيها منشوده... ولنحقق المراد من وجودنا في هذه الدنيا، أي "العبادة"، والعبادة عندنا إخلاص التعبد لله، وإعمار الكون إعمارًا يحفظ كل الخلائق، وإخلاص المعاملة الحسنة لخلق الله – كل خلق الله.



Islamic Ornament Corner Illustration Set 13
Islamic Ornament Corner Illustration Set 13